السيد محمد تقي المدرسي

17

من هدى القرآن

ملموس من نذره . والوقوع هنا ليس بمعنى الحدوث ، بل بمعنى التحقق والواقعية ، فكما أن الجبال والكتب والبيت والسماء والبحار كلها حقائق لا يشك الإنسان في وجودها ، فإن عذاب الله هو الآخر واقع حق ، يراه المخلصون باليقين وبالآيات والإشارات الدالة عليه في الدنيا ، فيعملون على تجنبه ، ويقيهم الله منه وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [ الطور : 18 ] ، في الوقت الذي يعمى عنه الآخرون ، فيتخذون الحياة خوضا ولعبا ، فيقعون في العذاب دنيا وآخرة ، ولا يكتشفون هذه الحقيقة التي ذهلوا عنها إلا عند الموت فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] . إن السعي من قبل الإنسان لتصحيح مسيرته والعمل الصالح يكون مجديا قبل تورطه في النتائج العملية لأخطائه ، أما إذا حل به العذاب فلن يجد وسيلة للوقاية عنه ، وبالذات إذا كان عذابا من الله مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ . [ 9 - 10 ] وماذا عسى أن تبلغ قدرة هذا الإنسان الضعيف والمحدود حتى يقدر على تحدي الله ودفع عذابه ؟ أم يحسب أنه عذاب وغضب يصدر عن إنسان مثله حتى يكون رده ممكنا ؟ كلا . . إنه من الرهبة والعظمة بمكان تمور به السماء مورا على سعتها وسمكها الذي لا تصل إليه عقولنا ، وتسير الجبال المتأصلة في الأرض عن مواقعها يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً أي تتحرك بسرعة هائلة ، ويتداخل بعضها في بعض ، كما يتداخل ماء البحر الهائج في بعضه ، إلا إن المور هو الحركة السريعة من دون ضوضاء . وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً وبالتدبر في القرآن نخلص إلى أن للجبال يوم القيامة ثلاث حالات عبر مراحل ثلاث متتاليات أيضا وهي : الأولى : الحركة من مكانها والسير ، كما في هذه الآية ، وفي قوله تعالى : وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [ التكوير : 3 ] . الثانية : تحولها إلى جزيئات وذرات صغيرة يقول تعالى : وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [ القارعة : 5 ] ، وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلًا [ المزمل : 14 ] . الثالثة : وأخيرا تتلاشى ، قال تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً [ طه : 105 ] ، وقال حاكيا التتالي في هذه المراحل : وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً [ النبأ : 20 ] ، ويبدو أن الجاذبية تنعدم يوم القيامة فتفقد الأجسام وزنها ، وحيث تقع في الفراغ من الجاذبية تتفكك جزيئاتها فتصير أجساما وذرات صغيرة ثم تتلاشى وتضحى كالسراب .